Wordpress Themes

دروس النکاح ـ 1

بسم الله الرحمن الرحيم

نبدأ بکتاب النکاح بإذن الله تعالی بما له من الأهمية بالنسبة إلی المجتمع و نظام الأسرة.

مجمل عن النکاح عندالجاهليين

فنقول: لا إشکال في أن النکاح بصفة عامة أمر قديم في الحضارة البشرية و لا يعقل أن يوجد مجتمع ـ مهما کان، صغيراً أو کبيراً ـ إلا قائماً علی النکاح.

و بالمناسبة يتعرض الدکتور جواد علي في کتابه «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» تحت عنوان «الأحوال الشخصية»، لأقسام النکاح الجاري بين الجاهليين. خلاصته أن الزواج المألوف بين الجاهليين، هو زواج هذا اليوم, أي: الزواج القائم على الخطبة و المهر، و على الإيجاب و القبول. و هو ما يسمى بزواج البعولة.

و کان بينهم أنواع أخر من الزواج منها زواج الشغار و هو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ليس بينهما صداق.

و منها نکاح البدل و هو أن يقول الرجل للرجل: انزل لي عن امرأتك، و أنزل لك عن امرأتي.

و منها نکاح المقت و هو أنه لما کان يموت الرجل، أکبر ولده کان أحق بزوجة أبيه (طبعاً کانت غير أمه) فيلقي عليها ثوباً و تکون هي من جملة ما يرثه عن أبيه، فإما يزوجها و إما يمنعها من الزواج ما دامت حية من غير أن يزوجها.

و من جملتها أيضاً ما يسمی بتعدد الأزواج في قبال تعدد الزوجات؛ يعني کلا الأمرين کان متعارفاً في الجاهلية. و أکبر عدد نعرف عن الجاهلية هو العشر؛ کان للرجل عشر زوجات و کان للمرأة عشرة أزواج و هي کانت تلحق الولد بمن شاء من الأزواج.

و کان نوع آخر من النکاح ـ الذي کان سفاحاً بحسب الواقع ـ موجوداً عندهم سموه نكاح الاستبضاع. و هو أن يقول رجل لامرأته إذا طهرت من طمثها: ارسلي إلى فلان فاستبضعي منه، لتحملي منه، و يعتزلها زوجها، و لا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا حملها أصابها زوجها إذا أحب، و إنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد؛ لأنهم كانوا يطلبون ذلك من أكابرهم و رؤسائهم في الشجاعة أو الكرم أو غير ذلك. و هذا کان غالباً في الإماء، لکن يقال کان عند بعضهم في الزوجات أيضاً.

و الجمع بين الأختين کان متعارفاً عندهم أيضاً.

مضافاً إلی ذلک، السفاح أيضاً کان شائعاً عندهم.

بيان معنی لفظة النکاح

تعرض جملة من علماء الفقه و اللغة للفظة «النکاح» الواردة في الکتاب و السنة. فالمشهور أن النکاح هو العقد و قد يطلق مجازاً علی الوطي. و منهم من ذهب إلی أن الأمر بالعکس. و قيل حقيقة في کليهما و قيل مجاز في کليهما.

و الراغب الإصفهاني ممن يصر علی القول الأول. يقول في «المفردات»: أصل النكاح للعقد، ثم استعير للجماع، و محال أن يكون في الأصل للجماع، ثم استعير للعقد؛ لأن أسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه، و محال أن يستعير من لا يقصد فحشاً اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه.

و قال الفيومي في «المصباح»: يقال مأخوذ من «نَكَحَهُ» الدواء إذا خامره و غلبه أو من «تَنَاكَحَتِ» الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض أو من «نَكَحَ» المطر الأرض إذا اختلط بثراها و على هذا فيكون «النِّكَاحُ» مجازا في العقد و الوطء جميعا لأنه مأخوذ من غيره فلا يستقيم القول بأنه حقيقة لا فيهما و لا في أحدهما. و يؤيده أنه لا يفهم العقد إلا بقرينة نحو «نَكَحَ» في بني فلان و لا يفهم الوطء إلا بقرينة نحو «نَكَحَ» زوجته و ذلك من علامات المجاز.

و علق عليه في الجواهر بقوله: و فيه أن من قال بالأخذ فإنما يقول بكونه حقيقة في عرف اللغة فيهما أو في أحدهما، و لا ينافي التجوز باعتبار أصله، على أن لزوم التجوز إنما يسلم إن لم يكن إطلاقه على الوطء من جهة كونه ضما و اختلاطا و مخامرة و غلبة و التقاء و هو ممنوع.

و قال السيد الطباطبايي في «المصابيح»: الظاهر أن النزاع في المسألة مبني على الخلاف المشهور في الحقيقة الشرعية، فعلى القول بالثبوت يكون النكاح حقيقة في العقد مجازا في الوطء، و على العدم يكون الأمر بالعكس، و القول بثبوت الحقيقة الشرعية في لفظ النكاح خاصة دون سائر الألفاظ كالصلاة و الصوم و الزكاة و غيرها على ما يوهمه الإجماع المنقول مع بعده في نفسه غير معروف و لا منقول عن أحد، مع أن الظاهر كون الدعوى هناك نفيا و إثباتا على الوجه الكلي، و أن النافي للحقيقة الشرعية يدعي السلب الكلي، و ثبوتها في لفظ النكاح أعني الإيجاب الجزئي يناقضه.

و علق عليه صاحب الجواهر بعض الکلام.

هذا بالنظر إلی کلمات اللغويين و استظهار فقيه مثل السيد بحر العلوم من کلامهم.

و أما بالنسبة إلی القرآن الکريم فالمعروف أن هذه المادة استعملت بمعنی العقد إلا في «حتی تنکح زوجاً غيره».

ولکن فيما أفادوه مواقع للنظر.

أما بالنسبة إلی الآية، يمکن أن نقول إن مادة «نکح» في هذه الآية أيضاً بمعنی العقد، و اشتراط الوطء علم من دليل آخر.

و أما بالنسبة إلی ما أفاده الراغب الإصفهاني، فاستظ
هاره بالنسبة إلی القرآن صحيح. و أما بالنسبة إلی أصل اللغة فلا؛ لأن معنی استقباحهم تعاطيه، هو أنه لم يکن أمراً علنياً و هذا يثبت أن اللفظ الموضوع له لا يستعمل علنياً لا أنه يثبت عدم وضع لفظ بإزائه.

و أما ما نقله في «المصباح» مثل «تَنَاكَحَتِ الأشجار» و «نَكَحَ المطر الأرض»، فالإنسان العربي بارتکازه يفهم أنه استعمال مجازي لا حقيقي. نحن ذکرنا مراراً أن الألفاظ الموضوعة بإزاء المعاني المعقولة بحسب الظاهر يکون أصلها معاني محسوسة؛ مثلاً «العقل» أصله احتمالاً من «العقال». لکن هذا لا يعني أنه کلما رأينا لفظاً له معنی معقول و معنی محسوس، نرجع المعقول إلی المحسوس؛ بل لا بد من الرجوع إلی الشواهد التاريخية و الارتکازات و غيرهما. و قلنا إنه لا يعقل أن يوجد مجتمع إلا قائماً علی أساس النکاح و اللفظ الموضوع بإزائه أيضاً يکون قديماً؛ فکيف يمکن أن يکون أصله من مثل «تناکحت الأشجار»؟! و الظاهر أن الأمر بالعکس تماماً.

و أما ما أفاده في «المصابيح» فغرابته لا تخفی؛ لأن النکاح أمر متأصل في النفوس من بداية تاريخ البشر. و هذه اللفظة شائعة في الاستعمالات قبل الإسلام و بعده و لا يمکن ابتناء هذا النزاع علی مبحث الحقيقة الشرعية.

و الذي يبدو لنا بالتأمل في الشواهد، صحة استعمال لفظه «النکاح» في الوطي، لکن لا مطق الوطي، بل الوطي الجائز و القائم علی أساس العلقة الزوجية، لا علی أساس ملکية اليمين و لا الوطي غير الجائر الذي يسمی سفاحاً.